أبي حيان التوحيدي

61

المقابسات

الهندسة والزندقة ! نادرة من أظرف النوادر قال أبو حيان : حدثنا أبو بكر الصيمري قال : حدثنا ابن سمكة قال : حدثنا ابن محارب قال : سمعت أحمد بن الطيب « 1 » يقول : إن صديقا لابن ثوابة « 2 » الكاتب أبى العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم : إنك بحمد اللّه ومنّه ذو أدب وفصاحة وبراعة فلو أطلت فضائلك بأن تضيف إليها معرفة البرهان القياسي ، وعلم الأشكال الهندسية الدالة على حقائق الأشياء ، وقرأت أقليدس وتدبيرته ؟ فقال له ابن ثوابة : وما كان أقليدس ومن هو ؟ قال : رجل من علماء الروم يسمى بهذا الاسم ، وضع كتابا فيه أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة ، ويشحذ الذهن ، ويدقق الفهم ، ويلطف المعرفة ، ويصفى الحاسة ، ويثبّت الروية ، ومنه افتتح الخط وعرفت مقادير حروف المعجم قال له أبو العباس بن ثوابة : كيف ذلك ؟

--> ( 1 ) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي . أحد فلاسفة الإسلام المضطلعين بعلوم الأوائل وعلوم العرب ، كان جيد القريحة بليغ اللسان حلو العبارة مليح التصنيف . وكان من خاصة تلاميذ فيلسوف الإسلام الكندي . أخذ عنه الخليفة المعتضد وتخرج به ، ثم نادمه واتخذه موضع سره ومستشاره في أمور مملكته . مات مقتولا سنة 286 ه . ( 2 ) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن ثوابه . أحد كتاب الدولة العباسية ، وذوى المكانة فيها ، تولى ديوان الانشاء زمنا طويلا في عهد الخليفة المعتضد . وكان على بلاغته واضطلاعه بأعباء الكتابة السلطانية ، ثقيلا بغيضا متعجرفا سخيفا . مع جود فيه وسخاء وغفلة ، ومن هنا وجد شعراء وقته السبيل إلى الاستهتار في هجوه وقذعه ، وله مع ابن الرومي والبحتري والكوكبى وأبى العيناء وأبى هفان البصري مهاترات وأهاج ومقاذع . ولاه الوزير أبو الصقر بعض الاعمال في إحدى الولايات وظل بها إلى أن توفى سنة 273 ه .